منذ رأى الناس في اليمن نتائج ثورة تونس ونجاحها في إسقاط ذلك النظام القمعي الدكتاتوري بزعامة زين العابدين بن علي؛ تاقت نفوسهم للحرية والانعتاق من الحكم الفاسد التسلطي في اليمن، والذي كان عامة اليمنيين قد كرهوه وانزعجوا منه منذ سنوات بسبب جرعاته الاقتصادية القاتلة، وحجم الفساد المهول المصاحب له، وضعف السيادة الوطنية وشخصية الدولة وعدم تحقيق الأمن و المساواة والعدل والشفافية في البلاد.
ولما جاءت ثورة مصر في شهر يناير 2011 وثار الشعب المصري الذي يرتبط الشعب اليمني معه ارتباطا وثيقا وتاريخيا منذ الثورة اليمنية سنة 1382هـ/1962م بسبب تأثر الثورة اليمنية بالثورة المصرية حينذاك التي سبقتها بعشر سنوات، ثم دعم الثورة المصرية المالي والعسكري والسياسي للثورة اليمنية حين قيامها في تلك الفترة، حين قامت الثورة المصرية المعاصرة تأثر بها اليمنيون تأثرا وجدانيا شديدا، بل يمكن الزعم أن التأثر ذاك شمل كثيرا من الشعوب العربية بسبب مكانة مصر السياسية والاجتماعية ومكانتها كقلب للعروبة والعمل السياسي والاجتماعي العربي، فمقر جامعة الدول العربية في مصر، وكثير من المؤسسات والصحف والمراكز البحثية والعلمية العربية الكبرى هناك، وهي الرابط الحقيقي بين المشرق العربي والمغرب العربي، كما أنه أكبر الدول العربية مساحة، وأهلها في كثير من البلاد والمدن العربية كمهنيين وعاملين وفنيين ومثقفين وصحفيين وغيرهم، وانتشرت اللهجة المصرية أكثر مما تنتشر أي لهجة أخرى بسبب الإعلام ومنتجاته التي دخلت مع أجهزة التلفزيون والإذاعة إلى عامة البيوت العربية قبل العولمة وبعدها.
وفور انتهاء الثورة المصرية هب الشعب اليمني ثائرا على رئيسه ونظامه، وارتبط تاريخ بدء الثورة الشعبية اليمنية في نفس يوم تاريخ إعلان تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن سدة الرئاسة في 11 فبراير 2011، وكان منطلق الثورة الشعبية في اليمن من مدينة تعز في مظاهرة عفوية حاشدة بدأت من جولة المسبح بشارع جمال عبدالناصر الشارع الرئيس في تعز، وانتهت بتفريق قوات الأمن لها بالرصاص المطلق في الهواء قرب جولة حوض الأشراف المجاورة لمدرسة الشعب، وكان كثير من المشاركين فيها هم ممن في سن الشباب وخاصة في العشرينات والثلاثينات من العمر.
ولاحقا خرجت مجموعة من الشباب في شارع التحرير بتعز جوار مسجد عمر بن الخطاب في اعتصام بدائي ومعهم مايكروفون صغير، وكانوا في حدود المائتي شخص في وسط الشارع، واستمروا يومين حتى تم تفريقهم وانتقلوا إلى مكان جديد هو موقف سيارات عام بجوار محطة صافر للبترول، واصطلح على تسميته لاحقا ساحة الحرية بتعز.
وهذا الأمر أدى لتحفيز الروح الثورية الشبابية في مختلف المناطق والمدن اليمنية، فقام اعتصام مماثل جوار جامعة صنعاء الجديدة بالعاصمة اليمنية، وقد تطور من مجرد تجمعات داخل الجامعة للطلبة، ومواجهات مع بعض البلاطجة بالحجارة ممن يأتون من خارج الجامعة، حتى صار اعتصاما مفتوحا مشابها لاعتصام ساحة الحرية بتعز مع مرور الأيام، وسمي ساحة التغيير، وكذلك تأثر الشباب في عدن والحديدة وإب بهذه الاعتصامات واتخذوا مواقع في مدنهم لاحقا للقيام باعتصامات بدأت تكثر يوما بعد يوم، وكذلك في البيضاء والمكلا بعدها ومناطق أخرى متعددة من اليمن.
وتطور عمل الاعتصامات لاحقا ليتم تكوين منصات للتحدث وإلقاء الخطابات والكلمات، ونصبت مايكروفونات ضخمة وتمديدات كهربائية، وأحضرت مولدات، ونصبت عشرات ومئات الخيام في الاعتصامات، وأنشئت لجان أمنية وتنظيمية وإعلامية وغيرها، ولكل هذا دلالته في وجود دعم مختلف ومتنوع لتلك الاعتصامات من أشخاص وجهات وأحزاب متفاعلة مع الثورة اليمنية المعاصرة.
وفي مراحل لاحقة صارت تخرج مسيرات ضخمة في عدة مدن يمنية وخاصة صنعاء وتعز، ثم تطورت إلى معظم المحافظات والمدن اليمنية، وصارت تحدث فيها مواجهات مع قوات الأمن وبلاطجة موالين للنظام، مما أدى لإنشاء مراكز طبية ميدانية داخل الاعتصامات اصطلح على تسميتها مستشفيات ميدانية، إضافة للاستعانة بالمستشفيات القريبة من أماكن الاعتصام في بعض المدن للعمليات والحالات المتطورة، والتي تتبع جهات أو أفرادا متعاطفين مع الثورة، مثل مستشفى جامعة العلوم والتكنولوجيا في صنعاء ومستشفى الصفوة في تعز.
وقد حافظت الثورة على طابعها الشعبي البدائي حتى حصلت مجزرة جمعة الكرامة في شهر مارس 2011، والتي أعلنت قطاعات واسعة في الجيش اليمني ومشايخ القبائل والوزراء والسفراء والمسئولين اليمنيين انضمامهم للثورة مما جعلها ثورة شعبية حاشدة وأكثر تنظيما وترتيبا وتمويلا.
وفي مراحل معينة بدأت تنشأ مسميات لحركات متنوعة في الساحة، كحركات شبابية وشعبية بعضها له امتدادات حزبية وسياسية ودينية واجتماعية، وبعضها تجمعات طلابية وإعلامية ومهنية متنوعة التوجهات الفكرية، كما أن بعضها حركات مدسوسة مرتبطة بأجندة تتبع أجهزة أمنية رسمية لاختراق الساحات ونشر البلبلة والفتن فيها وخاصة ما يتبع جهاز الأمن القومي اليمني؛ الذي وكيله عمار محمد عبدالله صالح ابن أخ الرئيس علي عبدالله صالح.
هل الثورة اليمنية شبابية بحتة؟
يربط بعض الشباب والصحفيين اسم الثورة اليمنية المعاصرة بالشباب ليصير اسمها الثورة الشبابية، وهذا الأمر غير صحيح فالثورة شعبية عامة، والشباب هم إحدى مكوناتها الرئيسة، ولكنه ليس المكون الوحيد، ولا الطاغي بحيث يكون غيره نادرا لا يكاد يذكر.
ففي الثورة مكونات أخرى كثيرة شاركت بفعالية هي خارج الإطار الشبابي التنظيمي، منهم العلماء، والمشايخ، والقبائل، ودكاترة الجامعات، والأكاديميين، والأطباء، والصيادلة، والمهندسين، والإعلاميين، والمهنيين، والضباط والعسكر، والنساء، وكبار السن، والصغار، وغيرهم، ولعل كلمة الشباب يذهب الذهن حين ذكرها إلى طلبة الجامعات وبعض المتخرجين حديثي التخرج، لفئة سنية بين 18 وحتى 30 من العمر تقريبا، وهي الفترة السنية التي يلعب فيها لاعبو كرة القدم والرياضيون في الفرق المحلية والخارجية وبعدها يندر أن يستطيع الشاب الاستمرار في الجهد البدني للعب والجري والعطاء بعد الثلاثين من العمر إلا نادرا جدا، ولذلك يكون اعتزال اللاعبين بعد الثلاثين بقليل وهو دليل على تراجع القدرة على العطاء، حيث يمكن اعتبارها فترة زوال الشباب.
ووصف الثورة اليمنية بالشبابية حركة أمنية منبثقة من الثورة المضادة التي قامت بها الأجهزة الأمنية المصرية في بدايات الثورة المصرية من أجل دق إسفين من المشاكل والخلافات بين الأحزاب السياسية والجماعات الدينية والاجتماعية الفاعلة وبين شباب الساحات في القاهرة والاسكندرية وغيرها من المدن المصرية، وربما لم تفلح تلك التسمية والحركة الأمنية المصرية في دق ذلك الإسفين لسرعة نجاح الثورة
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ